المقريزي

970

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وإذا تقرّر هذا ، فاعلم أنّ المسيح - روح اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم - هو « عيسى » « 1 » . وأصل اسمه بالعبرانية - التي هي لغة أمّه وآبائها - إنّما هو « ياشوع » ، وسمّته النصارى « يسوع » ، وسمّاه اللّه تعالى - وهو أصدق القائلين - « عيسى » ومعنى يسوع في اللغة السّريانية : المخلّص ، قاله في « شرح الإنجيل » . ونعته بالمسيح ، وهو الصّدّيق ، وقيل لأنّه كان لا يمسح بيده صاحب عاهة إلّا برأ ، وقيل : لأنّه كان يمسح رؤوس اليتامى ، وقيل لأنّه خرج من بطن أمّه ممسوحا بالدّهن ، وقيل لأنّ جبريل - عليه السّلام - مسحه بجناحه عند ولادته صونا له من مسّ الشّيطان . وقيل المسيح اسم مشتقّ من المسح ، أي الدّهن ؛ لأنّ روح القدس قام بجسد عيسى مقام الدّهن الذي كان عند بني إسرائيل يمسح به الملك ويمسح به الكهنوت ، وقيل لأنّه مسح بالبركة ، وقيل لأنّه أمسح الرّجلين ليس لرجليه أخمص ، وقيل لأنّه يمسح الأرض بسياحته لا يستوطن مكانا ، وقيل هي كلمة عبرانيّة أصلها « ماسيح » ، فتلاعبت بها العرب وقالت : « مسيح » « 2 » . وكان من خبره - عليه السّلام - أنّ مريم ابنة عمران ، بينا هي في محرابها ، إذ بشّرها اللّه تعالى بعيسى ، فخرجت من بيت المقدس وقد اغتسلت من المحيض ، فتمثّل لها الملك بشرا في صورة يوسف بن يعقوب النجّار - أحد خدّام القدس - فنفخ في جيبها ، فسرت النفخة إلى جوفها ، فحملت بعيسى كما تحمل النساء بغير ذكر ، بل حلّت نفخة الملك منها محلّ اللقاح ، ثم وضعت بعد تسعة أشهر - وقيل بل وضعت في يوم حملها - بقرية بيت لحم من عمل مدينة القدس ، في يوم الأربعاء خامس عشرين كانون الأوّل ، وتاسع عشرين كيهك ، سنة تسع عشرة وثلاث مائة للإسكندر « 3 » . فقدمت رسل ملك فارس في طلبه ، ومعهم هديّة له فيها ذهب ومرّ ولبان ، فتطلّبه « a » هيردوس - ملك اليهود بالقدس - ليقتله وقد أنذر به . فسارت أمّه مريم به ، وعمره سنتان ، على حمار

--> ( a ) بولاق : فطلبه . ( 1 ) عيسى بن مريم ، هو الاسم الذي استخدمه القرآن الكريم للحديث عن يسوع المسيح ، وقد ورد في خمس عشرة سورة وخصّص له فيها ثلاث وتسعون آية ، هي أساس المفهوم الإسلامي للمسيحية . ( راجع Anawati G . C . , El 2 art . c Isa IV , pp . 85 - 90 وما ذكر من مراجع ) . ( 2 ) السمعاني : الأنساب 530 ظ ؛ القلقشندي : صبح الأعشى 13 : 281 . ( 3 ) سعيد بن البطريق : التاريخ المجموع 1 : 89 ، ونشرة Breydy 46 .